العرب والعالمموضوع مميز

الباحثة الفلسطينية هيا فريح: كيف ينكَأُ الغَزّيُّ جُرْحَه دون أن يَدري؟

إن كان صحيحاً ان كل ما يجري من حولهم، يعيد تذكير اهل غزة بمآسيهم المستمرة منذ اكثر من عامين، فإن الأمر يصبح فوق الإحتمال عندما يتابع الغزيون أحداث ووقائع مسلسل درامي مصري يوثق يوميات وتفاصيل وقصص هذه المأساة. أصعب ما في الأمر ان ترى الضحية نفسها على شاشات التلفزة مجسدة في عشرات القصص التي عاشتها ومئات التفاصيل العالقة في الذاكرة وكيف ان التماهي بين الحكاية التلفزيونية ويوميات اهل غزة متطابقة. تشرح الكاتبة هيا فريج في هذا المقال شعور شابة فلسطينية ترى حياتها اليومية وسط حرب الإبادة وحياة اهل غزة عموماً مجسدة في عمل درامي يوثق قصصهم وحياتهم في أتون الحرب.

شعور اقل ما يمكن ان يوصف بأنه يلغي حاجز الإيهام بين التمثيل في الاستديو والواقع.

يتابعُ الغزّيون إسوة بالملايين من المشاهدين العرب المسلسلَ المصري (أصحاب الأرض) الذي يحكي قصةَ نكبتِهم بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، معاندين بذلك كل التحذيرات بالامتناع عن مشاهدته؛ كي لا تتجدد أوجاعهم التي لم يشفوا منها، وكي لا تعادَ أمام أعينهم مشاهدُ عاشوها بدمائهم، وركامِ منازلهم، ونزوحهم المتكرر إلى اللامكان واللاأمان.

لن أطيلَ في الكلام عن دور مصر الإقليمي، ودعمِها المستمرّ غير المنقطع للقضية الفلسطينية، فشهادتي في مصر مجروحة.

مصرُ العظيمة (شعبًا وقيادةً)، الحضنُ الدافئ لغزة، والحصنُ المنيعُ ضد التهجير، والسندُ الذي قدّم القوافل الإغاثية من قوتِ شعبه، ومدّ غزة بالدواء والغذاء والخيام، مصرُ بجماهيرها المليونية التي تهتف باسم القضية، وبجيشها خيرِ أجناد الأرض المجهّز لصدّ أي تهديدٍ للسيادة المصرية، وبإعلامِها المضادّ الذي ينسفُ سرديةَ السرطان المتمركز خلف الحدود.

نشاهدُ المسلسلَ بعد تحميلِ حلقاتِه من الإنترنت الذي يأتينا بشقّ الأنفس، فأيُّنا يمتلكُ شاشة تلفاز بعد أن دُمّرَ منزله، وتنقّل بين عشرةِ منازل وسبعِ خيام؟

(مأساة لكل جيل)

لم نتلقَّ جلسات التعافي من الاضطرابات النفسية إثر الصدمات التي عشناها، ولم نستعدْ عافيتنا بعد سلاسل الأزمات، لكننا نكمل المسير في الحياة ذاتها، متعايشين مع الصواريخ والقذائف والطيران المسيّر، التي غدت جزءًا من يومياتنا.

ليست هذه هي المرة الأولى التي توثق فيها الدراما العربية مأساة فلسطين، فقد عُرِضَ مسلسل (التغريبة الفلسطينية) عام 2004م، مثلما قصّ أجدادنا علينا في رحلة التهجير الأولى عام 1948.

لا أنسى ردود فعلِ جيلِ النكبةِ، كنتُ ألمحُ دموعَ الأجداد التي يمسحونها بكمّ ثوبهم، ما زلتُ أذكر كيف كانت النساءُ يلثمنَ شاشهنّ الأبيض في محاولةِ كتم الشهقات. امتنعَ العديدُ منهم عن إكمال المسلسل، إذْ جاء ليعيدَ عرضَ مشاهدِ التهجيرِ المغروسة في ذاكرتهم، وليذكّر الأجيال بمعاناةِ الأجدادِ، وضياعِ بلادهم.

كما عرضت الشاشات، مسلسل (الاجتياح) عام 2007 الذي جسّد حصار مخيم جنين إبّان عملية “الدرع الواقي” عام 2002م التي أعادت فيها إسرائيل احتلال الضفة الغربية

واليومَ يعيد مسلسل (أصحاب الأرض) سرد نكبتِنا الثانيةِ في غزة، بمشاهدَ تمثيليةٍ واقعيةٍ ترتكزُ على حكاياتٍ حقيقيةٍ، مع تأكيدنا على أنّ المأساة التي عشناها لا يمكن لعقلٍ بشريٍّ أن يتصورها.
هذه الروايةُ التي نصرخُ منذ أكثر من سنتين؛ كي نقنعَ العالمَ بها؛ علّه يوقف العدوان ضدّنا، وينهيَ جرائم الإبادة المرتكبة بحقّنا، ويأذنَ بإعادة إعمارِ بيوتنا.

(ملحٌ على الجراح )

أخذتُ جرعةً مكثّفة من المسلسل، ثلاث حلقات كفيلة بوصولي للتوتر الحادّ:
كل لقطةٍ يتسرّبُ منها الملحُ إلى الجرح المفتوحِ، كل مشهدٍ يلقيني فريسةً للذاكرةِ، كل حدثٍ يعيدُ شريطَ سنتين من الفقدِ واللوعةِ والحسرةِ

تفرغُ بطارية الهاتف بعد مشاهدةِ الحلقات الثلاث، وتتركني في مواجهة الأرق المكسوّ بالدموع على الوسادات الخشنة، والتقلّب على فراش النزوح الذي لم أعتدْ عليه حتى اليوم، من ينسى؟ من يغفر؟ من يسامح؟
كنتُ ممّن رفضَ رفضًا تاماً وقاطعاً النزوح إلى الجنوب، ورددنا طويلاً ما ردده الحاج “أبو رامي” في المسلسل: “العمر واحد والرب واحد، انت بتصدق إنه في مكان آمن بغزة؟”. ونِلنا نصيبنا بعدها من الابتلاء بالقلقِ والخوفِ والجوعِ ونقصِ الأموالِ والطعامِ والشتاتِ

تقطّعت عائلتي (مثلما تقطعت عائلة ناصر في المسلسل وكل عوائل غزة) بين الشمال والجنوب، وحُرِمْتُ من رؤية والدي أربعة عشر شهراً، وحوصرت والدتي وجدّتي وعائلة أخي في حيّ الرمال، وبقينا قرابة الشهر محاصرين في الشمال لا نعرفُ شيئًا عن أخبار عائلتنا، وصُدِمنا بعدُ باعتقال أخوالنا، وحرق منزلنا

كان سؤالُ إياد نصّار عن شارعِ الجلاء – الشارع الرئيس في مدينة غزة الذي يعرفه جميع أبنائها- سؤالًا تافهاً للطبيبة المصرية، لكنّ الحربَ غيرت معالم البلاد، ولعلّ ردّ أحد المارة عليه كان حقيقةً عايشناها: “مش حتعرف تمرق في اشتباكات”. فقد تفرقنا بالضبط عند مفترق الوحدة بشارع الجلاء، إذ غامرت السيارة التي تقلُّ والدتي وجدتي بالمرور في الشارع، بينما ظلّ إطلاقُ الرصاص علينا وعلى جموع النازحين في المدينة، لأكثر من ساعة كاملة، ونحن ننتظرُ توقفَ الاشتباكات، أو تراجعَ حدتِها؛ لنعيدَ خطواتِنا للخلف، تمامًا مثلما اختبأ ناصر وسلمى منتظرين انتهاء حفلة الجنون التي يقيمها الجنود كلما شعروا بالملل أو العطش إلى الدماء.

كان القناصة المعتلين للعمارات في المدينة يمارسون هواية صيدِ البطّ، والتدرّب على إطلاق الرصاص على الرؤوس والأقدام، ولا مكانَ نهربُ فيه من الرصاص.

أخفيتُ خبرَ استشهاد جدي عن خالتي في مصر، رغم إلحاحِها عليّ في السؤال، وشعورِها بأن ثمّة شيئًا أخفيهِ عنها، مثلما فعلت الطبيبة “سلمى” مع “الحاجة عطاف” التي لم تدرِ باستشهادِ حفيدِها

اعتلت “سلمى” في المسلسل سطحِ المشفى؛ لالتقاط شبكة الاتصال، مثلما كنتُ أهربُ إلى السطحِ، متخذةً من ألواح الطاقة الشمسية ساتراً ضد الرصاص، أثناءِ تواجد الجيش بالحارة؛ كي ألتقط إشارة الهاتف، لأطمئنَ أهلي الذين كانوا في الخيام جنوب القطاع، وًتتلوّع قلوبهم على من تركوا في الشمال

بكيتُ في مشهدِ قتلِ جار ناصر برصاص الكواد كابتر أثناء محاولة إنقاذ الطفل “يونس”، لا رحمةَ في قلبِ الجنديِّ، فكلُّ غزاويّ على الأرض ندٌّ للجنديّ، وشريكٌ في جريمة العبور. قد يشكلُ خطرًا وجوديًّا عليه، بما يحملُه من بذرةِ التمردِ، التي يجب سحقُها قبل أن تصبح برعماً، الغزاويُّ يحملُ التراب في يديه، فيصير سلاحًا، وعليه فإن أثره لا يزول إلا باقتلاعِه.

في حرب غزةَ، كان كلّ جسم على الأرضِ المحروقةِ هدفاً لا يخطئه الرصاص، في حارتنا أطلق قناصٌ الرصاص على (أشرف)، فَهبّ جاره المأسوف على شبابه( غسان) لانتشال جثة جاره، فأردوه شهيدًا فوقه برصاص القناصّ نفسه، وورِيَ جثمانهما معًا في مقبرةٍ مؤقتةٍ مستحدثةٍ، ثم أعيد دفنهما في مقبرة الفالوجة التي بعثر الجيش قبورها، مثلما عاث فسادًا في معظم مقابر القطاع؛ مدعيًا البحث عن جثث الرهائن

انتفضَ جسدي مع كل صرخة لناصر على أهله بعد قصف منزلهم (عمر.. أسامة.. يونس) أتذكرُ صراخنا وسط أكوام الحجارة التي تضرب رؤوسنا وأرجلنا، ونداءنا الخافت من تحت الأنقاض متفقدين بعضنا (محمد؟ محمود؟ هلا؟ مي؟ أمانة تردّوا..).
كنتُ واعية تمامًا أرفض أن أنجرف نحو كتلة النار الملتهبة تحتنا، كنّا غرقى وسط دوّامة الانفجار التي تحاولُ سحبنا، نتشبّثُ بالحياة، نركلُ الموتَ المتربصَ، وننظرُ تحتنا إلى أنقاضِ عمارتنا التي وضع الجيش تحتها براميله المتفجرة.
لم نتكلم بعدها، كنّا مذهولين فقط، نفكّرُ في مكانٍ يؤوينا بعد فقدان المأوى، وكيف لنا أن نفلتَ من فكّي الكمّاشة المطبقة على المخيم من كل النواحي؟

كانت نتيجة المعادلة بكل بساطة: لم نغادرْ الشمال رفضاً لترك بيوتنا، فقرّر الجيش هدمَها فوق رؤوسِنا.
استطعنا الخروج صباح ذلك اليوم إلى مكان آخر في مخيم جباليا، بينما لم يستطع جيرانٌ آخرون الخروجَ من بيوتهم بسبب تواجدِ الآلياتِ في الشوارعِ. ناشدوا الصليب الأحمر والمؤسسات الدولية لتأمينِ خروجهم من بين الدبابات، لكن مناشداتهم لم تُسْمَعْ؛ لتواجدهم في منطقة عسكرية مغلقة، وقد وصلت مناشدتهم الجيش الإنسانيّ فقرّرَ قصف منزلهم بعد ذلك؛ ليُدفنوا تحت أنقاضِه.
تطرق المسلسلُ أيضًا إلى معاناتِنا اليومية، من بحثِ الغزيين عن المكان الآمن، ومقتلِهم في أثناءِ نزوحهم، وقصفِ المشافي والمدارسِ التي ينزحون إليها، وسقوطِ الضحايا في معاركِ الطحين، وانقطاعِ الماء والدواء، فقد شربنا -في شمال غزة- ماءَ البحر المالح، وأكلنا الطعامَ الفاسد وعلفَ الدجاج.

ورغم كل الإشادات بحرصِ المسلسل على إبراز حقيقة الاعتداءات، إلا أن “ناصر” وقعَ في سقطةِ إغلاق ستائر غرف المشفى وقت اقتحام الجيش له، إذ لا يتواجد الجيش الإسرائيلي إلا مع غطاء ناري كثيف، ولا يكون الاقتحام بهذا الهدوء، وإنما بالصلف والهمجية والتعالي، واستعراضِ القوة. فلا يستطيعُ أيُّ فردٍ الحركة في أي مكانٍ أثناء وجود القوات، أي أن مجرد محاولةِ قفل الباب، أو تحريك الشباك، أو إغلاق الستائر يعني فقدانَ حياتك، وحياةَ عائلتِك.

حتى جاء مشهدُ إخفاء الدكتورة “سلمى” لناصر عبثيًّا، إذ أثبتت الحرب تفوّق الاحتلال العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي، في الرصد والمتابعة والتفتيش، ولعلّ الكلّ يحكي قصته مع الدرون أو الكواد كابتر التي تقف على شبابيك البيوت، وفوق الخيام، وعلى الحواجز، وفي نقاط التفتيش تتفحص وجوه الناس، وتطلق الرصاص على كل متحركٍ دون أي هدف.

ويكفي هذا المسلسل نجاحًا أن رسائله الناعمة والقوية قضّت مضاجعهم، وأن مشاهده التمثيلية هزّت مشاعر الملايين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية العادلة، مؤكدةً على أن صاحبَ الأرض متجذرٌ فيها، لا تهزه الريح، ولا تقتلعه العواصف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى