مقالات

محاولة تفسير ما حدث في فنزويلا: المهمة الأخيرة قبل إطفاء الأنوار بقلم: د. محمد الصيّاد

في يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول من العام المنصرم 2025، بينما كان العالم مشغولا باحتفالات العام الجديد، ضخّ الاحتياطي الفيدرالي الامريكي بهدوء 74.6 مليار دولار أمريكي في عمليات إعادة شراء لليلة واحدة، في واحدة من أكبر عمليات إعادة الشراء في يوم واحد خلال العام المذكور. 

بعد يومين، أي في الثاني من يناير/كانون الثاني 2026، عادت كبريات البنوك الأمريكية من جديد، وقامت في تمام الساعة الواحدة والنصف ظهرًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بسحب 20 مليار دولار من تسهيلات إعادة الشراء التابعة للاحتياطي الفيدرالي، لتضاف إلى الـ 74.6 مليار دولار التي سُحبت عشية رأس السنة. 

عملية ضخ سيولة بهذا الحجم، وفي منتصف النهار، ليست سلوكًا طبيعيًا، بل تشير إلى وجود ضائقة مالية، والى وجود خلل ما في “مواسير” النظام المالي والمصرفي. 

ببساطة، إعادة الشراء هي قرض طارئ لليلة واحدة تطلبه البنوك بصورة عاجلة من البنوك المركزية لتصفية مراكز مالية مكشوفة وحالة الأجلكما لو كان لسان حال البنوك، في الحالة الأمريكية التي نحن بصددها، يقول: “نحن بحاجة إلى سيولة نقدية فورية”، فيهرع الاحتياطي الفيدرالي لتقديم عشرات المليارات من الدولارات للحفاظ على استمرار عمل النظام. وهو ما فعله بتقديمه ما مجموعه حوالي 95 مليار دولار في ظرف يومين.  

عندما يحدث هذا في نهاية العام، وبهذا الحجم، فإنه يدل على شيء واحد: السيولة على وشك الانهيار. إليكم سبب أهمية هذا الأمر: تم اقتراض أكثر من 74 مليار دولار أمريكي لليلة واحدة، مدعومة بشكل رئيسي بسندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، وتمت التسوية في نفس اليوم، مع تخصيص كامل للأموال المطلوبة. ما يعني أن الاحتياطي الفيدرالي استلم كل ما عُرض عليه من أصول ورقية دون إعارة أدنى اهتمام لما إذا كانت هذه الأصول الورقية لها مقابل من الأصول المادية، كما حدث في أزمة الرهون العقارية في 2008. فما حدث عبارة عن تبادل أوراق نقدية مطبوعة “طازجة” تخص مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي (أي البنك المركزي الأمريكي)، مقابل أوراق أخرى عبارة عن سندات وصكوك رهن عقاري، لو تحقق منها محاسب نزيه، فلربما وضع كثيرًا منها في خانة الأصول المشكوك في تسييلها وتحصيل قيمتها، إن لم يكن في خانة الديون المعدومة. وهذه الأوراق تخص كبريات البنوك الأمريكية طالبة القرضين الضخمين في ظرف يومين اثنين.  

هذا لا يحدث إلا عندما تكون البنوك تحت ضغط شديد وفي أمسّ الحاجة إلى سيولة نقدية فورية. الاقتراض بهذه الوتيرة يدل على وجود تصدعات تتشكل تحت السطح. والآن، دعونا نربط هذه النقاط بالفضة. فكل هذا يحدث بالتزامن مع رفع بورصة كومكس  لمتطلبات الهامش، وتصاعد التقلبات، وتداول الفضة المادية (Physical silver) في الخارج بأسعار أعلى من أسعار العقود الورقية في كومكس. 

ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن بورصة كومكس للاتجار في المعادن في نيويورك (Commodity Exchange, Incorporated)، أصبحت في وضع حرج اضطرها لرفع متطلبات الهامش “Raising margin requirements”، أي زيادة مبلغ الضمان (نقداً أو أوراقاً مالية) الذي يجب على المستثمر إيداعه لدى وسيطه لفتح أو الحفاظ على مركز تداول بالرافعة المالية، الأمر الذي يقلل من الائتمان المتاح، ويعني أيضا أن السوق أصبح محفوفا بالمخاطر. فالاقتراض يصبح أكثر صعوبة، وتقلبات الأسعار تتسم بالحدة. ليس هذا وحسب، بل إن كومكس أصبحت خارج عالم البورصات العالمية. فأونصة الفضة تُتَداوَل في بورصات العالم بأسعار أعلى بكثير من سعرها في البورصة الأمريكية. لماذا؟ لأن رأسمالية المضاربة الأمريكية الجشعة خلقت فقاعة جديدة، هذه المرة بطتها السوداء، هي الفضة. ولهذا تفصيله يطول شرحه لا تتسع له هذه المساحة. 

في أزمة العام 2008،  كانت الفقاعة عبارة عن عملية نصب تاريخية كبرى تمثلت في اتجار البنوك وصناديق التحوط وصناديق الاستثمار فيما سمي بالمشتقات (Derivatives)، وهي صكوك منازل المواطنين (الرهون العقارية) المودعة لدى البنوك لحين انتهاء دفع كامل قيمة المنازل المموّل شراؤها من البنوك 

وعندما تنضب السيولة، تنهار أسواق العقود الورقية أولاً، والفضة من أكثر الأسواق اعتماداً على العقود الورقية في العالم، حيث تُصدر مئات العقود الورقية مقابل كل أونصة حقيقية. والبنوك الأمريكية متورطة الآن بشكل كبير في هذا الانكشاف بين العقود الورقية للاتجار في الفضة وبين الوجود المادي الحقيقي للمعدن (الفضة). وليلة أول أمس حدث شيء غريب بين البنوك الأمريكية والبنوك الألمانية التي يبدو أنها أجبرت على تحويل كمية ضخمة من احتياطياتها من الفضة المادية الى خزائن البنوك الأمريكية لتغطية مراكزها المكشوفة.  

بإمكانهم رفع الهوامش، وضخ السيولة، وكبح التقلبات، كما فعلوا عشية عيد رأس السنة ويوم الثاني من يناير الجاري، لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو دون تفادي السقوط. لا يمكن اقتراض المزيد من الأموال كل ليلة، والتظاهر بأن العقود الورقية تساوي العقود المادية، وتوقع استمرار الثقة. تاريخياً، عندما ينهار هذا النظام، تكون الفضة هي المعدن الذي يكشفه. هذا الارتفاع المفاجئ في طلب السيولة من الاحتياط الفدرالي بهذا الحجم، ليس عشوائياً، وليس مصادفة. إنه تحذير من نقص السيولة، ومتوافِق تماماً مع ما يحدث في سوق الفضة. الحسابات تنهار، والضغط يتزايد، والنظام يحاول كسب الوقت لحماية آخر القواعد الاقتصادية التي يرتكز عليها: الدولار“.  

لهذا نزعُم أن خزانات الأفكار الأمريكية (Think tanks) التي تُسدي النصح للمستوى السياسي، قد أوصلت رسالتها الأخيرة الى الشخص المناسب، وهو هنا الرئيس دونالد ترامب، للقيام بالمهمة الأخيرة، قبل اطفاء الأنوار. ما من غطاء يمكن أن يستر عورة العملة الأمريكية وعمليات التوريق البنكية الاحتيالية، سوى احتياطيات فنزويلا المثبتة من النفط الثقيل البالغة 303 مليار برميل المناسبة لمصافي النفط الأمريكية على خليج المكسيك، فهي مصممة لمعالجة النفوط الثقيلة “Heavy oil”.  

 

نبذة عن الكاتب:

*الدكتور محمد الصياد اقتصادي بحريني خبير في العلاقات الاقتصادية الدولية. صدر له ترجمة لكتاب الاقتصادي الأمريكيجوزيف ئي ستيغليتزالمعنون  “السقوط المدوي – الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي“. 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى